العيني

76

عمدة القاري

تابَعَهُ مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ أي : تابع صالح بن كيسان معمر بن راشد في رواية عن الزهري . وأخرج مسلم هذه المتابعة عن ابن أبي عمر وعبد بن حميد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري بهذا الإسناد : ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقته بمنى فجاء رجل . . ) الحديث . 231 ( ( بابُ الْخطْبَةِ أيَّامَ مِنىً ) ) أي : هذا باب في بيان مشروعية الخطبة أيام منىً ، قيل : أراد البخاري بهذا الرّد على من زعم أن يوم النحر لا خطبة فيه للحاج ، وأن المذكور في هذا الحديث من قبيل الوصايا العامة لا على أنه من شعائر الحج ، فأراد البخاري أن يبين أن الراوي قد سماها خطبة كما سمي التي وقعت في عرفات خطبة ، وقد اتفقوا على مشروعية الخطبة بعرفات ، فكأنه ألحق المختلف فيه بالمتفق عليه . انتهى . قلت : أراد هذا القائل بهذا الرد على الطحاوي ، فإنه قال : الخطبة المذكورة ليست من متعلقات الحج لأنه لم يذكر فيها شيئا من أمور الحج ، وإنما ذكر فيها وصايا عامة ، ولم ينقل أحد أنه علمهم شيئا من الذي يتعلق بيوم النحر ، فعرفنا أنها لم تقصد لأجل الحج . انتهى . قلت : رد هذا القائل عن الطحاوي أو على غيره ممن قال مثل ما قال الطحاوي مردود عليه ، وذلك لأنه لم يذكر شيئا أصلاً في الحديث المذكور من أمور الحج ، وإنما فعل ذلك من أجل تبليغ ما ذكره لكثرة الجمع الذي الذي اجتمع من أقاصي الدنيا ، هكذا قال ابن القصار أيضا ، ثم قال : فظن الذي رآه أنه خطب ، وقال بعضهم ، نصرة للقائل المذكور : وأجيب بأنه صلى الله عليه وسلم نبه في الخطبة المذكورة على تعظيم يوم النحر ، وعلى تعظيم شهر ذي الحجة ، وعلى تعظيم البلد الحرام ، وقد جزم الصحابة ، رضي الله تعالى عنهم ، بتسميتها خطبة فلا يلتفت إلى تأويل غيرهم . انتهى . قلت : ليت شعري ما وجه هذا الذي ذكره أن يكون جوابا ؟ وتعظيم هذه الأشياء المذكورة ليس له دخل في أمور الحج ، وتعظيم هذه الأشياء غير مقيد بأوقات الحج ، بل يجب تعظيمها مطلقا . وقوله : وقد جزم الصحابة . . . إلى آخره ، دعوى بلا دليل . على أنا نقول : إن تسميتهم للتبليغ المذكور خطبة ليست على حقيقة الخطبة المعهودة المشتملة على أشياء شتى ، وقال بعضهم في الرد على الطحاوي في قوله : ولم ينقل أحد أنه ، عليه السلام ، علمهم شيئا من أمور الحج ، بقوله : وأما قول الطحاوي : ولم ينقل أحد . . . إلى آخره ، لا ينفي وقوع ذلك أو شيء منه في نفس الأمر ، بل قد ثبت في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، رضي الله تعالى عنه ، أنه شهد النبي ، صلى الله عليه وسلم ، يخطب يوم النحر وذكر فيه السؤال عن تقديم بعض المناسك على بعض ، فكيف ساغ للطحاوي هذا النفي المطلق مع روايته هو حديث عبد الله بن عمرو ؟ انتهى . قلت : كيف ساغ لهذا القائل أن يحط على الطحاوي بفهمه كلامه على غير أصله ؟ فإنه لم ينف مطلقا ، وإنما مراده نفي دلالة حديث ابن عباس المذكور في هذا الباب على أنه خطبة وقعت يوم النحر ، ولا يلزم من هذا أن ينفي نفيا مطلقا ، وتأييد رده عليه بحديث عبد الله بن عمرو يؤيد ضعف ما فهمه من كلامه ، لأن حديث عبد الله بن عمرو ليس فيه ما يدل صريحا على لفظ : خطب ، فإن لفظ البخاري ومسلم : ( وقف في حجة الوداع فجعلوا يسألونه ) . وفي رواية أخرى لمسلم : ( وقف رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، على راحلته فطفق ناس يسألونه ) ، وفي رواية الترمذي ( أن رجلاً سأل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقال : حلقت قبل أن أذبح . . . ) الحديث ، وليس في شيء من هذه الألفاظ ما يدل على أنه خطبة ، وإنما هو سؤال وجواب وتعليم وتعلم ، فلا يسمى هذا خطبة ، وكذلك ليس في أحاديث أخرى غير حديث عبد الله بن عمرو ما يدل على أنه خطبة ، وروى أحمد في ( مسنده ) عن علي ، رضي الله تعالى عنه ، ( قال : جاء رجل ، يا رسول الله ! حلقت قبل أن أنحر . . . ) الحديث ، وروى النسائي عن جابر : ( أن رجلاً قال : يا رسول الله ذبحت قبل أن أرمي . . . ) الحديث ، وروى ابن ماجة والبيهقي عن جابر أيضا يقول : ( قعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنىً يوم النحر للناس ، فجاءه رجل فقال : يا رسول الله إني حلقت قبل أن أذبح . . ) ، وروى الأئمة الستة ، خلا الترمذي ، عن ابن عباس من طريق وليس فيها ما يدل على أنه خطبة ، فروى الشيخان والنسائي من رواية ابن طاووس عن أبيه ( عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير ، قال : لا حرج ) ، وروى البخاري وأصحاب السنن ، خلا الترمذي ، من رواية عكرمة عن ابن عباس قال : ( كان النبي